ابن كثير

193

البداية والنهاية

وكسر جسر باب توما فسار النهر فتراجع الماء حتى صار بحيرة من باب توما وباب السلامة ، فغرق جميع ما كان بينهما من العمران ، وافتقر كثير من الناس ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وممن توفي فيها من الأعيان : الملك المغيث عمر بن الصالح أيوب كان الصالح إسماعيل قد أسره وسجنه في برج قلعة دمشق ، حين أخذها في غيبة الصالح أيوب . فاجتهد أبوه بكل ممكن في خلاصه فلم يقدر ، وعارضه فيه أمين الدولة غزال المسلماني ، واقف المدرسة الأمينية التي ببعلبك ، فلم يزل الشاب محبوسا في القلعة من سنة ثمان وثلاثين إلى ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة ، فأصبح ميتا في محبسه غما وحزنا ، ويقال إنه قتل فالله أعلم . وكان من خيار أبناء الملوك ، وأحسنهم شكلا ، وأكملهم عقلا . ودفن عند جده الكامل في تربته شمالي الجامع ، فاشتد حنق أبيه أيوب على صاحب دمشق . وممن توفي فيها شيخ الشيوخ بدمشق : تاج الدين أبو عبد الله بن عمر بن حمويه أحد الفضلاء المؤرخين المصنفين ، له كتاب في ثماني مجلدات ، ذكر فيه أصول ، وله السياسة الملوكية صنفها للكامل محمد وغير ذلك ، وسمع الحديث وحفظ القرآن ، وكان قد بلغ الثمانين ، وقيل إنه لم يبلغها ، وقد سافر إلى بلاد المغرب في سنة ثلاث وتسعين ، واتصل بمراكش عند ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، فأقام هناك إلى سنة ستمائة ، فقدم إلى ديار مصر وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين بن حمويه رحمه الله تعالى . الوزير نصر الدين أبو الأزهر أحمد بن محمد بن علي بن أحمد الناقد البغدادي وزير المستنصر ثم ابنه المستعصم ، كان من أبناء التجار ، ثم توصل إلى أن وزر لهذين الخليفتين ، وكان فاضلا بارعا حافظا للقرآن كثير التلاوة ، نشأ في حشمة باذخة ، ثم كان في وجاهة هائلة ، وقد أقعد في آخر أمره ، وهو مع هذا في غاية الاحترام والاكرام ، وله أشعار حسنة أورد منها ابن الساعي قطعة صالحة ، توفي في هذه السنة وقد جاوز الخمسين رحمه الله تعالى . نقيب النقباء خطيب الخطباء وكيل الخلفاء أبو طالب الحسين بن أحمد بن علي بن أحمد بن معين بن هبة الله بن محمد بن